أحمد بن علي القلقشندي

334

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والحمول ، وعلى ضفّتي دجلة قصور الخلافة والمدارس والأبنية العلية بالشبابيك والطاقات المطلة على دجلة وبناؤها بالآجرّ . ومن بيوتها ما هو مفروش بالآجرّ أيضا ملصق بالقير وهو الزّفت ، ولهم الصنائع العجيبة في التزويق بالآجرّ وبها وجوه الخير من الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق والرّبط والبيمارستانات والصدقات الجارية ووجوه المعونة وناهيك أنها كانت دار الخلافة ومقرّ ملوك الأرض . ومنها قلائد الأعناق ، وترابها لمى القبل وإثمد الأحداق . قال في « مسالك الأبصار » : قال الحكيم نظام الدين بن الطياري ( 1 ) : وأوقافها جارية في مجاريها ، لم تعترضها أيدي العدوان في دولة هولاكو ولا فيما بعدها ، بل كل وقف مستمرّ بيد متوليه ، ومن له الولاية عليه ، وإنما نقصت الأوقاف من سوء ولاة أمورها لا من سواها . وبها البساتين المونقه ، والحدائق المحدّقة ، وبها ثمر النخل المفضلة على ما سواها من الرطب والثّمر وبها أنواع الرّياحين والخضراوات والغلال ، وسعرها متوسط في الغالب لا يكاد يرخص . قال المقرّ الشهابيّ بن فضل اللَّه : سألت الصدر مجد الدين بن الدوريّ عن السبب في قلة الغلال ببلاد العراق مع امتداد سوادها ، فقال : قلة الزرع مع ما استهلكه القتل زمن هولاكو وحيزه ( 2 ) للعراق وما جاوره من البلاد . قلت : وبغداد وإن كانت أمّ الممالك ودار الخلافة ، فقد أغفل ملوك التتر الالتفات إليها ، وصرفوا عنايتهم إلى تبريز والسّلطانية وصيروهما قاعدتين لهذه المملكة على ما سيأتي ذكره في الكلام على إقليم أذربيجان فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى .

--> ( 1 ) هو يحيى بن عبد الرحمن الجعفري الطياري البغدادي ، ويعرف بابن النور وبابن الحكيم : موسيقي من كبار الخطاطين في عصره . اشتغل بالحديث والأدب . توفي سنة 760 ه . ( الأعلام : 8 / 153 ) . ( 2 ) بمعنى حوزه وامتلاكه ؛ لغة نقلها الفيومي في مصباحه .